بعد مائة يوم من العزلة…، ماذا حقق المحامون؟ أم ماذا قدموا؟
بعد مائة يوم من التوقف عن تقديم مهام الدفاع، وبعد “تعذر البت في دستورية قانون المهنة” بدأ بعض المحسوبين على المهنة يتساءلون، بنبرة لا تخلو من التشكيك: ماذا حقق المحامون من التوقف؟
سؤال يبدو في ظاهره مشروعا، لكنه يخفي في عمقه تصورا مختلا لطبيعة المعارك المهنية والحقوقية، وكأن كل فعل احتجاجي لا يصبح مشروعا إلا إذا انتهى، في اليوم التالي، إلى تحقيق جميع مطالبه، وبعض أصحاب هذا السؤال لا يكتفون بالاستفهام، بل يجعلون منه حكما على التجربة كلها: لقد توقف المحامون مائة يوم، وضحوا بملفاتهم وأتعابهم ومصالحهم، ثم ماذا كانت النتيجة؟ المشروع واصل طريقه، والمسار التشريعي استمر، والنتيجة السياسية التي انتهى إليها المسار لم تكن هي التي أرادها المحامون، بل كانت ما أراده ساسة هذا البلد.
لكن قبل أن نسأل: ماذا حقق المحامون؟ أليس الأجدر أن نسأل سؤالا آخر: ماذا قدم المحامون؟ وماهم مستعدين لأن يقدموه؟
فالاحتجاج لا يقاس دائما بالنتيجة التي حققها، وإنما بما أحدثه من تغيير في موازين القوى، وما راكمه من وعي جماعي لدى المحامين، وما أظهره من قدرة على الاتحاد والوحدة والصمود، ولعل أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الحركة المهنية هو أن تنظر إلى التوقف باعتباره غاية في ذاته، والحال أن التوقف ليس هو المعركة، بل هو مجرد أداة من أدوات المعركة، التي يخوضها السادة المحامين، ومائة يوم من التوقف ليست رقما ينتهي عنده الاحتجاج، ولا سقفا زمنيا يفترض بعده أن يرفع المحامون أيديهم معلنين انتهاء المواجهة، كما أن صدور قرار بتعذر البت ليس صافرة لإنهاء المعركة المشروعة، بل إن مائة يوم من التوقف، إذا أردنا قراءتها قراءة نضالية صحيحة، ليست إلا جولة أولى أثبتت أن المهنة قادرة على تحمل كلفة الاحتجاج، وأن المحامي يستطيع، عندما يتعلق الأمر باستقلال مهنته وكرامة رسالته، أن يضع مصالحه المهنية المباشرة في مرتبة أدنى من المبادئ التي يؤمن بها، ولهذا فإن السؤال ليس: ماذا حقق المحامين بعد مائة يوم من التوقف، بل ماذا راكموا خلال هذه المائة يوم؟
لقد راكم المحامون تجربة في التنظيم والوحدة والصمود والتضحية، ورسخوا ثقافة الاحتجاج الجماعي- بعيدا عن المتسللين طبعا الذين هم في الأصل متسللين لهذه المهنة من حيث الأصل، وهي لا تتشرف بهؤلا الدخلاء عليها- وأظهرت أن القرار المهني الجماعي يمكن أن يتحول إلى قوة تفاوضية، وأوصلت رسالة إلى مختلف الجهات والفاعلين بأن المحاماة ليست مجرد مهنة تبحث عن شروط أفضل لممارستها، وإنما هي رسالة صعبة التطويع، وكانت وستظل سدا منيعا ضد تغول السلطة بمختلف أشكالها.
أما الذين يقولون أن المسار التشريعي قد بلغ نهايته، وأن المشروع لم يسحب وأن المحامين قدموا ما يستطيعون، وبالتالي انتهت المعركة، فنقول لهم: إنهم يخلطون بين نهاية جولة وبداية معركة، فالمعركة الحقيقية لا تنتهي لأن أداة واحدة استنفدت قدرتها، بل تبدأ عندما يتبين أن الأداة الأولى لم تكن كافية، ومن ثم، فإن انتهاء مائة يوم من التوقف لا يعني بالضرورة العودة إلى نقطة الصفر، وهي الرجوع للعمل، وإنما يعني الانتقال إلى الخطوة الاحتجاجية الموالية الكفيلة بالتصدي للآلة التشريعية المستبدة.
أما السؤال الاستنكاري: ماذا حقق المحامون؟ فجوابه يبدأ من قاعدة بسيطة: المحامي ملزم ببذل العناية، وليس بضمان النتيجة، وهذه القاعدة، إذا صح استعمالها في المجال المهني، فإنها تصلح أيضا لفهم العمل النضالي، فلا يمكن أن نحاكم قرار التوقف باعتباره قرارا احتجاجيا فقط بالنتيجة التي تحققت في نهايته، وإنما يجب أن ننظر إلى مقدار ما بذله جموع المحامين من جهد، وإلى مدى استنفادهم للوسائل النضالية المشروعة والمتاحة لهم.
وهنا تحديدا أقول: إن من يعتقد أن المحامين قدموا كل ما يستطيعون لأنهم توقفوا مائة يوم، فقد يكون متسرعا في الحكم، فمائة يوم كثيرة لمن ينظر إليها من حيث الزمن، لكنها قليلة جدا لمن يزنها في ميزان تاريخ المعارك الحقوقية، فكم من قضية احتاجت إلى سنوات حتى تحققت عدالتها، وكم من حركة احتجاجية بدأت بإضراب وانتهت لا فقط بتعديل قانون او بسحبه، إنما بتعديل الدستور نفسه، وكم من مطلب بدا مستحيلا في بدايته ثم أصبح، بعد تراكم الضغط، أمرا واقعا.
وإذا كان غيرنا قدموا أرواحهم ودماءهم تضحية من أجل قضيتهم، وصمدوا سنين تحت قصف الصواريخ والطائرات…، فكيف يمكن لنا، نحن الذين نمارس رسالة الدفاع، أن نعتبر أن مائة يوم من التضحية المهنية هي أقصى ما نستطيع تقديمه؟
لا أحد يطالب المحامي بأن يضحي بحياته ولا بدمائه، لكن من حق المحاماة أن تطلب من أبنائها البررة شيئا أقل كلفة بكثير وهو: أن يصمدوا، أن يصمدوا سنة إن اقتضى الأمر، وأن يصمدوا سنتين إن تطلبت المعركة ذلك، وأن يواصلوا الدفاع عن استقلال المهنة وحصانتها بكل السبل والوسائل الممكنة، مهما طال الزمن، ومن ثم لا حق لنا أن نتساءل عن النتيجة قبل استنفاد الوسائل، و أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نقنع أنفسنا بأن المعركة انتهت لأن التوقف لم يحقق النتيجة النهائية وهي سحب المشروع.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح اليوم ليس: ماذا حقق المحامون بعد مائة يوم؟ بل السؤال الواجب طرحه هو: هل استنفد المحامون كل الوسائل المشروعة للدفاع عن استقلال وحصانة مهنتهم؟
والجواب، في تقديري، هو: لا، فمائة يوم مجرد بداية، وقد نحتاج لمائة أسبوع أو مائة شهر، أو حتى مائة عام من التوقف، مائة عام من العزلة، عزلة عن قاعات المحاكم، لا عن المجتمع، وعزلة عن ممارسة الدفاع، لا عن رسالة الدفاع، وإذا كان المحامون حقيقة لا يملكون ترف مائة عام، فإنهم أيضا لا ينبغي أن يتوهموا أن مائة يوم كافية لصناعة انتصار تاريخي.
إن التوقف عن تقديم مهام الدفاع لمائة يوم لن يحفظ ماء وجوهنا ولن يغسل عارنا، وما هذا التوقف لهذه الايام المعدودات الا مجرد قطرة في بحر النضال الذي يجب ان نسلكه، والذي يجب ان نضحي من خلاله بالغالي والنفيس، في سبيل كرامتنا وحريتنا واستقلاليتنا، وهي مبادئ تقتضي التضحية بكل شيء ان اقتضى الحال، التضحية إلى آخر لحظة، وهي اللحظة التي نستطيع أن نقول فيها، بصوت جهوري ورأس مرفوع: “صور صور المحامي البطل لي شدوه وهو كيدافع على رسالتو”.
بتوقيع: الاستاذ محمد بنسرية محامي بهيئة وجدة

