في الوقت الذي يطالب فيه الرأي الحقوقي بالمغرب بإنزال النيابة العامة من منصة الحكم وجعلها على صعيد واحد مع المتهم، تحقيقا لمبدأ المساواة بين الخصوم، باعتبارها طرفا في الخصومة الجنائية لا جزءا من تشكيلة هيئة القضاء الجالس، وكذا تمتيع المتهم بضمانات دفاع حقيقية تضاهي السلطات المخولة للنيابة العامة تحقيقا لمبدأ توازي الأسلحة…،
في الوقت نفسه، تطل علينا النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بمدينة سطات بمراسلة موجهة للرئيس الأول لهذه المحكمة تحت عنوان “حول شلل إجرائي”، تعبر من خلالها عن استيائها من التأخير المتكرر للملفات الجنائية بسبب غياب المحامين، الذي وصفته بالامتناع الجماعي والمستمر عن مؤازرة المحامين، وبسبب عدم وجود أي إجراء منتج يمكن اتخاذه أمام استحالة سير وإدارة الخصومة القضائية، وهي الاسباب التي جعلتها تلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بسطات باتخاذ المتعين، وهو الملتمس الذي يحمل تفسيرات وأوجه عدة، إحداها محاولة التأثير على منصة الحكم لتجهيز الملفات وحجزها للمداولة في غياب الدفاع.
وإذا كان ما من بد للنيابة العامة، كخصم شريف، من اللجوء لإجراء مسطري ما لحل أزمة المرفق، فما كان منها إلا أن تلتمس أولا السراح المؤقت للمتابعين في حالة اعتقال، طالما أن براءتهم هي الأصل، وثانيا أن تلتمس تأجيل القضايا لأجل عير محدد نزولا عند مقتضيات الفقرة الرابعة من المادة 299 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أنه ” يمكن للمحكمة، إذا دعت الضرورة، أن تؤجل القضية لأجل غير معين، غير أنه يجب في هذه الحالة تجديد استدعاء الأطراف للحضور من جديد”، وهما إجرائين كفيلين بحفظ حقوق المتهم وضماناته الاجرائية، وكانا على النيابة العامة أن تلتمس سلوكهما عوض توجيه مراسلة ترجح مصلحة المرفق على مصلحة المتهم، رغم أن مرفق القضاء في خدمة المواطن وليس المواطن هو من في خدمة المرفق.
وهذه المراسلة الموجهة من النيابة العامة، لا تثير فقط إشكالية الموازنة ما بين حق الدفاع واستمرارية المرفق القضائي، وهي الاشكالية التي حاول قرار استئنافية العيون معالجتها، مغلبا مصلحة المرفق على الحق في الدفاع، وهو قرار نال ما نال من تعليقات فقهية وقانونية، إنما تطرح أيضا تساؤلات حول حدود العلاقة بين النيابة العامة كسلطة اتهام وبين منصة الحكم.
فالنيابة العامة، وإن كانت تضطلع بدور أساسي في حسن سير العدالة، باعتبارها ممثلة للمجتمع وللدولة في حقها في العقاب، فإنها رغم ذلك تظل طرفا أصليا في الدعوى العمومية، ويظل صك اتهامها ومواقفها ومرافعاتها القانونية محل مناقشة أمام هيئة الحكم المختصة والمستقلة، في النطاق الشخصي والموضوعي للدعوى العمومية، وفي النطاق الزمني والمكاني للجلسة المنعقدة، لا خارج هذا النطاق.
ومن ثم، فإن توجيه مراسلة للبحث عن معالجة لإشكال قانوني واقعي يرتبط بقضايا جنائية رائجة عبر مخاطبة الرئاسة الأولى للمحكمة، بدل طرحه من داخل جلسة الخصومة القضائية، هو إجراء من شأنه التأثير على استقلالية قضاء الحكم، خاصة وأن هذه المراسلة تهدف إلى تبني مقاربة قضائية موحدة وشمولية في تدبير جميع الملفات الجنائية التي لا تزال معروضة على قضاء الحكم والتي عددها السيد الوكيل العام في مراسلته، وهي المقاربة التي ترمي أو على الأقل تعطي انطباعا بأنها تهدف إلى محاكمة المتهمين دون دفاع، وهو ما لا يجوز قانونا، طالما أن حق الدفاع حق جوهري في القضايا الجنائية، باعتراف المراسلة نفسها.
والمراسلة السالفة الذكر، التي حاولت من خلالها النيابة العامة منح رأي قانوني بخصوص دعاوى قضائية رائجة ملتمسة تبنيه بصفة ضمنية، يعيد لسطح النقاش أيضا المراسلات والدوريات الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، التي باتت تستنطق النصوص القانونية وتوجهها لقضاة الموضوع في شكل مستجدات، والتي من شأنها أيضا التأثير غير المباشر على قناعة القاضي واستقلاليته في فهم وتطبيق النص القانوني، مع ما قد يترتب عن ذلك من آثار عند مخالفة تلك الدوريات…، رغم أن تفسير النصوص القانونية وتوحيد تطبيقها موكول لقضاء النقض وحده بصريح قانوني المسطرتين، المدنية والجنائية، وأحيانا للمحكمة الدستورية حينما توجب الأخذ بعين الاعتبار تفاسيرها للنصوص القانونية التي تعرض عليها في إطار فحص دستورية القوانين.
إن قاضي الموضوع في مغرب اليوم، أصبح في موقع لا يحسد عليه، بين القانون واجتهادات قضاء النقض، من جهة، وبين دوريات المجلس الاعلى للسلطة القضائية ومكاتيب الوكلاء من جهة أخرى، وهو ما من شأنه التأثير على ضمير القاضي وعلى استقلاليته وسلطته التقديرية في تطبيق القانون وإصدار الأحكام القضائية، الأمر الذي يتطلب تعزيز حصانة قاضي الموضوع واستقلاليته ورفع الوصاية الادارية الضمنية عنه، لا ضد تدخلات وتأثيرات باقي السلط فحسب، إنما أيضا ضد الأجهزة المنضوية تحت السلطة القضائية نفسها، طالما أن استقلال القضاء لا يقتصر على الاستقلال العضوي للسلطة القضائية، وإنما يشمل الاستقلال الشخصي والوظيفي للقاضي كفرد، فالقاضي لا يكون مستقلا فقط عندما لا يتلقى أوامر من السلطة التنفيذية او التشريعية، وإنما أيضا عندما يكون بمنأى عن كل ضغط مؤسساتي، ولو صدر من داخل السلطة القضائية نفسها.
ولذلك، فإن الإشكال الحقيقي الذي تثيره الارسالية موضوع هذه التدوينة لا يكمن في مضمون الرأي الذي عبرت عنه النيابة العامة، بل في الوسيلة التي اختارتها للتعبير عنه، فحين يصبح الطريق الإداري بديلا عن الطريق القضائي، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام ملتمس قانوني صرف أم أمام محاولة لتسديد مسار العدالة؟
إن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تبنى على “تسديد الأحكام”، وإنما تبنى على التطبيق العادل والمنصف للقانون من قبل قضاء الموضوع المستقل استقلالية حقيقية، وفي إطار المواجهة بين الخصوم والمساواة بينهم، وتحت رقابة القضاء الأعلى درجة، وإذا صارت خطب الجمعة اليوم تسدد بواسطة إمام سلب منه حق الاجتهاد وبات له فقط حق النطق بالخطب الموجهة إليه، فإن الأحكام القضائية لا تسدد؛ لأنها لا تستمد مشروعيتها من أي توجيه كان، وإنما تستمد هذه المشروعية من الدستور والقانون، كما أن القاضي لا ينطق بلسان غيره ولا يفكر بعقل غيره، وإنما يفكر ويجتهد بضميره المستقل وحده، ولا معقب عليه في ذلك إلا من خلال الطعن في الأحكام الصادرة عنه أمام المحكمة الأعلى درجة.
وأخطر ما يمكن أن يعرفه مغرب اليوم، في ظل تنامي ظاهرة الدوريات والمراسلات، هو أن يمتد منطق التسديد من منبر الجمعة إلى منصة الحكم، والحال أن استقلالية القاضي تقتضي ألا يتلقى تسديدا في كيفية قراءة القانون وتنزيله ولا توجيها في كيفية إدارة وتدبير القضايا الرائجة أمامه، وهذه الاستقلالية ليست امتيازا للقاضي إنما هي أولا وأخيرا ضمانة للمتقاضي.
الأستاذ محمد بنسرية، محامي بهيئة وجدة.

